تفاصيل خبر  
الدكتور سعد الله آغا القلعة يكتب: ممدوح الليثي .. عشرون عاماً من الصداقة غلّفها حديثان ..عن بعد (أضيف في 28-شباط-2014)


راجع المقال على صفحة الدكتور سعد الله آغا القلعة على موقع فيس بوك



ممدوح الليثي .. عشرون عاماً من الصداقة غلّفها حديثان ..عن بعد



الحديث الأول..



يعود أول حديث مباشر بيني وبين الراحل ممدوح الليثي على الهاتف إلى شهر آذار/مارس 1993 . كان رئيساً لقطاع الإنتاج في التلفزيون المصري ، وفي عهده أنتج القطاع أهم المسلسلات التلفزيونية ، التي أسرت العالم العربي في ذلك الوقت ، مثل ليالي الحلمية ورأفت الهجان ..كما كان شخصية معروفة في الوسط الإبداعي ، بأنها الأقدر على كتابة سيناريوهات الأفلام ، التي نقلت أعمال الكاتب الكبير  نجيب محفوظ للشاشة ، مثل أفلام السكرية وميرامار والكرنك..كان الاتصال يدور حول إمكانية عرض برنامج "عبد الوهاب مرآة عصره " ، من تأليفي وتقديمي وإنتاجي ، على شاشة التلفزيون المصري..



عبد الوهاب مرآة عصره



كنت في ذلك الوقت أقدم على شاشة  التلفزيون السوري  ومنذ عام 1985 برنامجاً أسبوعياً بعنوان " العرب والموسيقى"،  أتبعته ببرنامج اسمه " عالم الموسيقى" ، إلى جانب أعمالي المتعددة الأخرى ، كأستاذ في كلية الهندسة المدنية ، و عملي في مكتبي الهندسي الخاص .. وفي تلك الزحمة كان الوقت المتاح لإنجاز حلقة تلفزيونية أسبوعية لا يتجاوز عشر ساعات من العمل ، ومع ذلك كانت تحوز على اهتمام المشاهدين .. تغير كل شيء مع حلول يوم الرابع من شهر أيار (مايو) عام  1991 ، عندما رحل محمد عبد الوهاب ، المطرب والملحن الأهم في تاريخ الغناء العربي المعاصر، عن هذه الدنيا ، وانطوت بذلك آخر صفحة زاهية من ملف ذلك الغناء. قررت أن أخصص حلقة من البرنامج للإجابة على سؤال .. لماذا كان عبد الوهاب الأهم؟ هل لأنه كان الأكثر إبداعاً؟ أم لأنه كان الأكثر تفاعلاً مع عصره؟



 تبين لي بسرعة أن الإجابة على هذا السؤال ، البسيط في الظاهر  ، لن تكون سهلة ، وأنها ستحتاج لأشهرٍ طويلة من العمل الدؤوب .. قررت أن أوظف معرفتي في علوم الحاسوب، وللمرة الأولى في مجال الموسيقى العربية ، في بناء قواعد المعلومات ، التي تمكنني من استعراض تطور الغناء العربي في مصر، في القرن العشرين، ومن تحليل أعمال الأستاذ عبد الوهاب الموسيقية والغنائية أولاً، وفنانين آخرين قدّموا جميعاً لنا الوثائق الصوتية التي شكلت تراثنا المسموع والمرئي ، وصولاً إلى مقارنة تلك الأعمال بغية تحديد العناصر الجديدة التي أضافها الأستاذ عبد الوهاب، والعناصر التي نقلها. كما تبين أن الإجابة لن تستوعبها حلقة تلفزيونية واحدة ، بل ستمتد على برنامج كامل في أكثر من عشر حلقات...



أوقفت برنامجي التلفزيوني الأسبوعي ، وعملت لأشهر طويلة على تحضير البرنامج ، ثم كتابته . رأيت عندها أن مضامينه تستحق أن تمتد لتشاهد من الجمهور العربي كله ، وخاصة الجمهور المصري ، نظراً لأن البرنامج يوثق لشخصية عربية عموماً ومصرية خصوصاً . بدأت أتحدث عن البرنامج في عالم الإنتاج والتوزيع في دمشق .. وفهمت أن أحداً لن ينتجه ولن يهتم بتوزيعه .. فالبرنامج في رأي أولي الأمر منهم غير مرغوب ، ولا يتوافق مع الصورة النمطية السائدة للبرامج التلفزيونية التي كان ينتجها القطاع الخاص في ذلك الوقت..  ليس فيه ضيوف ولا مطربين و لا مطربات ولا تنويع .. إنه يعتمد عليّ فقط في التقديم ، و في تحليل الوثائق الصوتية وعرضها ومقارنتها .. كما أن حلقاته العديدة مخصصة لشخصية واحدة ، وهو ما لم تعتد عليه التلفزيونات العربية ..



أسئلة صعبة



ماذا أفعل؟ هل أقدم أنا على إنتاج البرنامج الجديد .. وما أدراني أنا الأستاذ الجامعي والمهندس والموسيقي ومقدم البرامج بالإنتاج التلفزيوني .. ؟ ثم بفرض أنني أنتجت فمن سيقوم بالتوزيع ، وقد فهمت أن الجميع من منتجين وموزعين كان غير مهتم ..وبالمقابل هل أترك جهد عام كامل يضيع فقط لأنه غير نمطي؟ وبفرض أنني استطعت إنتاج البرنامج ، فكيف سأتوصل إلى بثه على التلفزيون المصري ، المعروف بأنه في ذلك الوقت ، لا يبث إلا إنتاجه الخاص به..أسئلة كثيرة كانت في نهايات عام 1992 تبحث عن إجابة..



في التلفزيون المصري



بالنتيجة .. كان لابد من أن أقحم نفسي في عالم الإنتاج التلفزيوني وهكذا كان .. صورت وأنتجت برنامج " عبد الوهاب مرآة عصره " في 13 حلقة تلفزيونية ، وكان جاهزاً في آذار / مارس 1993 . كان اهتمامي الأول أن يبدأ بثه في الذكرى الثانية لرحيل عبد الوهاب . لم يكن هذا ممكناً لجميع المحطات بسبب الوقت الذي يتطلبه التوزيع والمعاملات المالية المرتبطة بذلك ، هذا إن اهتمت به فعلاً .. ونظراً لمعرفتي أن التلفزيون المصري لا يبث إلا إنتاجه ، وبالتالي فهو لا يقتني أي برامج ، وبما أنني لم أكن أسعى أصلاً إلى ربح مادي من عملية الإنتاج ، فقد قررت أن أقدم له نسخة من البرنامج لتبث على سبيل الهدية. لم يكن لدي أي معلومات عن الأسلوب . كان مسلسل رأفت الهجان يملأ التلفزيونات العربية في أجزائه الثلاثة ، وكان عالم الإعلام في دمشق يتداول اسم ممدوح الليثي ، رئيس قطاع الإنتاج ، الذي أنتج المسلسل ، على أنه رجل التلفزيون القوي في مصر .. حصلت على رقم هاتف قطاع الإنتاج في التلفزيون المصري. اتصلت بمكتبه من دمشق ، وشرحت للسكرتيرة الهدف. بعد مدة قصيرة كان الرجل على الهاتف ، يستفسر عن التفاصيل . بدا ودوداً جداً ، على الرغم من سمعته كرجل شديد حازم في عمله .. قال أرسل البرنامج فوراً وأنا أتكفل ببثه إن كان عملاً ذا سوية عالية ، دون أن يغفل الإشارة إلى أن الموضوع ليس سهلاً.



شحنت كامل حلقات المسلسل على شرائط مخصصة للبث التلفزيوني. بعد حوالي شهر اتصل بي مجدداً وقال لي عملك رائع ، وسأرسل لك ما يشهد على ذلك ، وأرسل كتاباً بالفاكس ، هو تقرير الرقابة المصرية عن تقييم البرنامج وفيه تقول فيما تقول : عمل فني رائع ولا مانع من الإذاعة. وفعلاً تم بث الحلقة الأولى بعيد أيام من ذكرى وفاة عبد الوهاب الثانية .. ولكن البث كان في ساعة ضعيفة المشاهدة : الرابعة عصراً ، ولم أفهم حينها السبب . ومع ذلك وفي الأيام التالية كتبت صحيفة الأخبار مديحاً واضحاً ، ولكنه تسبب لي في حرج ، انعكس لاحقاً بشكل سلبي على بث البرنامج ، إذ قال عصام بصيلة فيما قال ، بأن المستوى المتواضع لبرامج التلفزيون المصري انكشف بسبب هذا البرنامج ، فيما قال سيد فرغلي في مجلة الكواكب بأنه برنامج على مستوى رفيع ، ويمكن اعتباره نموذجاً للبرامج ، وأنه كان يتمنى أن يكون من إنتاج التلفزيون المصري!!.. في الأسبوع الذي تلا لم يبث البرنامج في ذات الموعد .. استفسرت من الأستاذ ممدوح رحمه الله وفهمت أن أمراً واضحاً من وزير الإعلام في حينه صفوت الشريف كان بإيقاف البث .. ولعل المديح الذي كيل للبرنامج  تسبب في ذلك ، ولو لم يُكتب ، لكان الأمر مر بسلام ، حيث أن القصد من اختيار وقت البث ، كما فهمت لاحقاً ، كان عدم إثارة انتباه أي من المعنيين .. لم أستسلم وقدمت البرنامج إلى مسابقة مهرجان الإذاعة والتلفزيون في القاهرة عام 1993 . حصل البرنامج على الجائزة الثانية للبرامج الوثائقية والثقافية .. فيما فاز برنامج آخر عن عبد الوهاب من إنتاج التلفزيون المصري بالجائزة الأولى! كانت الرسالة واضحة.. مع ذلك لم يستسلم الليثي ، وحاول التقريب بيني  وبين الشريف ، وعرفني عن قرب عليه ، ثم سعى إلى بث حلقة ثانية من البرنامج بعد المهرجان ، بحسبان أنه فاز بجائزة .. ولم يكتب أحد هذه المرة .. ومع ذلك جاء الأسبوع التالي ، ولم تبث الحلقة الثالثة .. و بدا أن أمراً صارماً صدر باستبعاد البرنامج.



صداقة طويلة



بالنسبة لي كان الراحل ممدوح الليثي رجلاً شهماً ، حافظ على كلمته ، دون أي معرفة سابقة بيننا ، لم يميز بين برنامج سوري أو مصري ، بل اعتمد الجودة والإتقان معياراً لبناء المواقف.. ولا شك في أنه تحمل لوماً شديداً على موقفه هذا مِن رئيسه الذي كان يخالفه الرأي  . مع الوقت تحولنا إلى أصدقاء.. ونسينا ، البرنامج الذي تم بثه على عشر محطات تلفزيونية عربية ، فأثبت ضعف رؤية منتجي وموزعي البرامج في تلك الفترة .. تبادلنا الزيارات في القاهرة و دمشق ، التي كان يحبها ، ولا يترك فرصة لزيارتها إلا وأتى ، وبقينا على تواصل دائم ، سواء أثناء مشاركتي في دورات مؤتمر الموسيقى العربية في دار أوبرا القاهرة ، أو في دورات مهرجان الإذاعة والتلفزيون في مصر ، كعضو في لجنة التحكيم .. أو مشاركته في دورات مهرجان دمشق السينمائي المتتالية ، كسيناريست ، أو كنقيب للسينمائيين ، أو كرئيس لمهرجان القاهرة السينمائي ، حيث كان يُسعد بحضور الأفلام الجديدة ، وكان إلى جانب ذلك يستمتع وزوجته الفاضلة بالتجول في المناطق المحيطة بدور السينما حيث كانت تجري عروض المهرجان ، وبالتسوق في سوق الحميدية  كما شَغُفَ بمصايف بلودان والزبداني ومضايا، وكانت لنا هناك ذكريات عزيزة..



إحساس بدنو الأجل!



كانت آخر مرة التقيته في القاهرة في تشرين الثاني 2011 ، عندما كنت هناك بدعوة من مؤتمر الموسيقى العربية ، وألقيت ضمن فعالياته محاضرة هامة . دعاني على الغداء ..  قال لي: لك بذمتي حلقات برنامج عبد الوهاب التي لم أستطع أن أبثها .. أرجو منك أن تسامحني ! قلت له : على ماذا أسامحك وقد بذلتَ كل جهد ممكن.. كما أنني نسيت الموضوع ..فقال .. أنا أغلق ملفاتي هذه الأيام .. حلقات البرنامج كانت وديعة منك لدي .. ولذلك كنت أحفظها في خزانة خاصة في مكتبي في التلفزيون .. أنت تعلم أنني مررت في صراعي مع صفوت الشريف بفترات صعبة  ، أًبعدت خلالها عن التلفزيون بشكل مفاجئ.. وحل مكاني آخرون .. عندما عدتُ وطلبت محتويات الخزانة .. اكتشفت أن حلقات البرنامج قد اختفت! فسامحني لأنني لم أستطع الحفاظ عليها .. لم أهتم كثيراً بفقدان النسخة يومها ، قدر اهتمامي بخاطرة مرت ببالي  أبعدتها بعجالة .. أن الرجل يحس بدنو أجله.. فيغلق ملفاته..



الحديث الأخير



بقينا على التواصل والمودة .. نتهاتف فيطمئن علي وعلى سورية ، وأطمئن عليه وعلى مصر ، إلى أن اتصل بي قبل أسابيع من وفاته مستفسراً عن أحوالي.... ولم أدرك حينها أنه كان يتصل مودعاً..



وهكذا كان الهاتف وسيلة تعارفنا .. و .. افتراقنا..



 



أما كيف دخلت عالم التلفزيون أصلاً ، ثم نافست كبار مقدمي البرامج ، وأنا الأستاذ الجامعي في الهندسة والمعلوماتية .. فلهذا أحاديث أخرى..


إضافة تعليق | عودة
تعليقات المستخدمين